الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أصول الإيمان محمد بن صالح العثيمين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محب السنة
مشرف
مشرف
avatar

عدد الرسائل : 53
تاريخ التسجيل : 08/09/2007

مُساهمةموضوع: أصول الإيمان محمد بن صالح العثيمين   16th أبريل 2008, 12:14

الإيمان بالرسل


ا لرسل: جمع (رسول) بمعنى (مرسل)، أي (مبعوث) بإبلاغ شيء. والمراد هنا أمن أوحي إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه.

وأول الرسل- نوح- وآخرهم محمد (صلى الله عليه وسلم). قال الله تعالى: (إنا أوحينا إليك، كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده). وفي صحيح البخاري عن- أنس بن مالك- رضي الله عنه في حديث الشفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الناس يأتون إلى آدم ليشفع لهم فيعتذر إليهم، ويقول: ائتوا نوحا أول رسول بعثة الله، وذكر تمام الحديث). وقال الله تعالى في محمد صلى الله عليه وسلم (ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين).

ولم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه. أو نبي يوحى إليه بشريعة من قبله ليجددها، قال الله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا، أن اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت). وقال تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير). وقال تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا).

والرسل: (بشر مخلوقون ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية مئيء). قال الله تعالى عن نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو سيد الرسل وأعظمهم جاها عند الله: (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون). وقال تعالى: (قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا، قل إني لن يجيرني من الله أحد، ولن أجذ من دونه ملتحدا).

وتلحقهم خصائص البشرية من المرض، والموت، والحاجة إلى الطعام والشراب، وغير ذلك، قال الله تعالى عن- إبراهيم عليه الصلاة والسلام- في وصفه لربه تعالى: (والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين). وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني).

وقد وصفهم الله تعالى بالعبودية له في أعلى مقاماتهم، وفي سياق الثناء عليهم فقال تعالى في نوح (صلى الله عليه وسلم): (إنه كان عبدا شكورا). وقال في محمد (صلى الله عليه وسلم): (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا).

وقال في إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب (صلى الله عليهم وسلم): (واذكر عبادنا إبراهيم، وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي، والأبصار، إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار).

وقال في- عيسى بن مريم- (صلى الله عليه وسلم): (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل).

الإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:

الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع. كما قال الله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين). فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل، مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه، وعلى هذا فالنصارى الذين كذبوا- محمدا- (صلى الله عليه وسلم) ولم يتبعوه هم مكذبون للمسيح بن مريم غير متبعين له أيضا، لاسيما وأنه قد بشرهم- بمحمد (صلى الله عليه وسلم) ولا معنى لبشارتهم به إلا أنه رسول إليهم ينقذهم الله به من الضلالة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.

الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل: محمد وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح (عليهم الصلاة والسلام) وهؤلاء- الخمسة- هم أولو العزم من الرسل، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القرآن في (سورة الأحزاب) في قوله: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنذ ومن نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم). وفي (سورة الشورى) في قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم، وموسى، وعيسى، أن أقيموا الدين ولا - تتفرقوا فيه).

وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالا قال الله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك، ومنهم من لم نقصص عليك)

الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبار.

الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم- محمد (صلى الله عليه وسلم)- المرسل إلى جميع الناس قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجذوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).

للإيمان بالرسل ثمرات جليلة منها:

الأولى: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله تعالى، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله، لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك.

الثانية: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.

الثالثة: محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم، والثناء عليهم بما يليق بهم، لأنهم رسل الله تعالى، ولأنهم قاموا بعبادته، وتبليغ رسالته، والنصح لعباده.

وقد كذب المعاندون رسلهم زاعمين أن رسل الله تعالى لا يكونون من البشر! وقد ذكر الله تعالى هذا الزعم وأبطله بقوله: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا، قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا). فأبطل الله تعالى هذا الزعم بأنه لابد أن يكون الرسول بشرا لأنه مرسل إلى أهل الأرض، وهم بشر، ولو كان أهل الأرض ملائكة لنزل الله عليهم من السماء ملكا رسولا، ليكون مثلهم، وهكذا حكى الله تعالى عن المكذبين للرسل أنهم قالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا، فأتونا بسلطان مبين، قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده؟، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله.)

الإيمان باليوم الآخر


اليوم الآخر: يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم.

الإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:

الأول: الإيمان بالبعث: وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة غير منتعلين، عراة غير مستترين، غرلا غير مختتنين، قال الله تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين).

والبعث: حق ثابت دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين. قال الله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك ميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون.) وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) (يحشر الناس يوم القيامة حفاة غرلا). متفق عليه.

وأجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معادا يجازيهم فيه على ما كلفهم به على ألسنة رسله. قال الله تعالى (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا ترجعون) وقال لنبيه (صلى الله عليه وسلم) (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد).

الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء: يحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.

قال الله تعالى: (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم). وقال: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها، وهم لايظلمون). وقال:(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين.)

وعن ابن عمر رضي الله عنهما- أن النبي (صلى الله عليه وسلم)- قال: (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه (1) ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى أنه قد هلك قال: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين). متفق عليه.

وصح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) (أن من هم بحسنه فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن من هم بسيئه فعملها، كتبها الله سيئة واحدة).

وقد أجمع المسلمون على إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وهو مقتضى الحكمة فإن الله تعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاءوا به، والعمل بما يجب العمل به منه، وأوجب قتال المعارضين له وأحل دماءهم، وذرياتهم، ونساءهم، وأموالهم. فلو لم يكن حساب، ولا جزاء لكان هذا من العبث الذي ينزه الرب الحكيم عنه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم، ولنسألن المرسلين، فلنقصن عليهم بعلم، وما كنا غائبين).

الثالث: الإيمان بالجنة والنار: وأنهما المآل الأبدي للخلق. فالجنة (دار النعيم التي أعدها الله للمؤمنين المتقين الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به، وقاموا بطاعة الله ورسوله، مخلصين لله متبعين لرسوله. فيها من أنواع النعيم "مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك هم خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه). وقال تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون).

وأما النار: (فهي دار العذاب التي أعذها الله تعالى للكافرين الظالمين الذين كفروا به وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب، والنكال، مالا يخطر على البال). قال الله تعالى: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين). وقال: (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا بما كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقا). وقال تعالى: (إن الله لعن الكافرين، وأعد لهم سعيرا، خالدين فيها أبدا، لا يجدون وليا ولا نصيرا، يوم تقلب وجوههم في النار، يقولون ياليتنا أطعنا الله، وأطعنا الرسولا).

ويلتحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما يكون بعد الموت، مثل:

(أ) فتنة القبر: وهي سؤال الميت بعد دفنه عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويضل الله الظالمين فيقول الكافر: هاه هاه لا أدري. ويقول المنافق أو المرتاب لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.

(ب) عذاب القبر ونعيمه: فأما عذاب القبر: فيكون للظالمين من المنافقين والكافرين، قال الله تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت، والملائكة باسطوا أيديهم، أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون).

وقال تعالى في- آل فرعون-: (النار يعرضون عليها غدوا و عشيا، ويوم تقوم الساعة، أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).

وفي- صحيح مسلم- من حديث- زيد بن ثابت- عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار قالوا: نعود بالله من عذاب النار. فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعودوا بالله من فتنة الدجال قالوا: نعود بالله من فتنة الدجال).

وأما نعيم القبر فللمؤمنين الصادقين قال الله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله، ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة، أن لا تخافوا، ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون). وقال تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، فلولا إن كنتم غير مدينين، ترجعونها إن كنتم صادقين، فأما إن كان من المقربين فروح، وريحان وجنة نعيم) إلى آخر السورة.

وعن البراء بن عازب- رضي الله عنه- أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في المؤمن إذا أجاب الملكين في قبره: ينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسخ له في قبره مد بصره.) رواه أحمد وأبو داود في حديث طويل.

وللإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة منها:

الأولى: الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.

الثانية: الرهبة من فعل المعصية والرضى بها خوفا من عقاب ذلك اليوم.

الثالثة: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها.

وقد أنكر الكافرون البعث بعد الموت زاعمين أن ذلك غير ممكن.

وهذا الزعم باطل دل على بطلانه الشرع، والحس، والعقل.

أما من الشرع فقد قال الله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن، ثم لتنبؤن بما عملتم، وذلك على الله يسير)، وقد اتفقت جميع الكتب السماوية عليه.

وأما الحس، فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، وفي سورة البقرة، خمسة أمثلة على ذلك وهي:

المثال الأول: قوم موسى حين قالوا له: لن نؤمن لك حتى نر ى الله جهرة، فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم، وفى ذلك يقول الله تعالى مخاطبا بني إسرائيل: ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتكم الصاعقة، وأنتم تنظرون، ثم يعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون).

المثال الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها ليخبرهم بمن قتله، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وإذ قتلتم نفسا ا فادارأتم فيها، والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى، ويريكم آياته لعلكم تعقلون) .

المثال الثالث: في قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم فرارا من الموت وهم ألوف فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم وفي ذلك يقول الله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس، ولكن اكثر الناس لا يشكرون).

المثال الرابع: في قصة الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله تعالى فأماته الله تعالى مائة سنة، ثم أحياه وفي ذلك يقول الله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه، قال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم، قال: بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك، وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك أية للناس وانظر إلى العظام، كيف ننشزها، ثم نكسوها لحما؟ فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير).

المثال الخامس: في قصة إبراهيم الخليل حين سأل الله تعالى أن يريه كيف يحي الموتى؟ فأمره الله تعالى أن يذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن، فتلتئم الأجزاء بعضها إلى بعض، ويأتين إلى إبراهيم سعيا، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أولم تؤمن! قال: بلى، ولكن. ليطمئن قلبي. قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم).

فهذه أمثلة حسية واقعة تدل على إمكان إحياء الموتى. وقد سبق الإشارة إلى ما جعله الله تعالى من آيات عيسى بن مريم في إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله تعالى.

وأما دلالة العقل فمن وجهين :

أحدهما: أن الله تعالى فاطر السموات والأرض وما فيهما خالقهما ابتداء، والقادر على ابتداء الخلق لا يعجزه عن إعادته، قال الله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه). وقال تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا، إنا كنا فاعلين) . وقال آمرا بالرد على من أنكر إحياء العظام وهي رميم: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم).

الثاني: أن الأرض تكون ميتة هامدة ليس فيها شجرة خضراء، فينزل عليها المطر فتهتز خضراء حية فيها من كل زوج بهيج، والقادر على إحيائها بعد موتها، قادر على إحياء الأموات. قال الله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت، وربت، إن الذي أحياها لمحي الموتى، إنه على كل شيء قدير). وقال تعالى)وأنزلنا من السماء ماء مباركا، فأنبتنا به جنات، وحب الحصيد، والنخل باسقات لها طلع نضيد، رزقا للعباد، وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ).

وقد ضل قوم من أهل الزيغ فأنكروا عذاب القبر ونعيمه، زاعمين أن ذلك غير ممكن لمخالفة الواقع، قالوا فإنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان عليه، والقبر لم يتغير بسعة ولا ضيق.

وهذا الزعم باطل بالشرع والحس والعقل:

أما الشرع فقد سبقت النصوص الدالة على ثبوت عذاب القبر، ونعيمه في فقرة (ب) مما يلتحق بالإيمان باليوم الآخر.

وفي صحيح البخاري- من حديث- ابن عباس رضي الله عنهما قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما) وذكر الحديث، وفيه (أن أحدهما كان لا يستتر من البول) وفي- رواية- من (بوله) وأن الأخر كان يمشي بالنميمة).

أما الحس فإن النائم يرى في منامه أنه كان في مكان فسيح بهيج يتنعم فيه، أو أنه كان في مكان ضيق موحش يتألم منه وربما يستيقظ أحيانا مما رأى، ومع ذلك فهو على فراشه في حجرته على ما هو عليه. والنوم أخو الموت ولهذا سماه الله تعالى (وفاة) قال الله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى).

رابعا العقل: فإن النائم في منامه يرى الرؤيا الحق المطابقة للواقع، وربما رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) على صفته، ومن رآه على صفته فقد رآه حقا، ومع ذلك فالنائم في حجرته على فراشه بعيدا عما رأى، فإذا كان هذا ممكنا في أحوال الدنيا، أفلا يكون ممكنا في أحوال الآخرة؟

وأما اعتمادهم فيما زعموه على أنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان عليه، والقبر لم يتغير بسعة ولا ضيق، فجوابه من وجوه منها:

الأول: أنه لا تجوز معارضة ما جاء به الشرع بمثل هذه الشبهات الداحضة التي لو تأمل المعارض بها ما جاء به الشرع حق التأمل لعلم بطلان هذه الشبهات وقد قيل:

وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم.

الثاني: أن أحوال البرزخ من أمور الغيب التي لا يدركها الحس، ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمنون بالغيب، والجاحدون في التصديق بها.

الثالث: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقة إنما يدركها الميت دون غيره، وهذا كما يرى النائم في منامه أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج وهو بالنسبة لغيره لم يتغير منامه هو في حجرته وبين فراشه وغطائه. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه وهو بين أصحابه فيسمع الوحي، ولا يسمعه الصحابة، وربما يتمثل له الملك رجلا فيكلمه، والصحابة لا يرون الملك، ولا يسمعونه.

الرابع: أن إدراك الخلق محدود بما مكنهم الله تعالى من إدراكه، ولا يمكن أن يدركوا كل موجود، فالسموات السبع والأرض ومن فيهن وكل شيء يسبح بحمد الله تسبيحا حقيقيا يسمعه الله تعالى من شاء من خلقه أحيانا. ومع ذلك هو محجوب عنا، وفي ذلك يقول الله تعالى: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم). وهكذا الشياطين، والجن. يسعون في الأرض ذهابا وإيابا، وقد حضرت الجن إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واستمعوا لقراءته وأنصتوا وولوا إلى قومهم منذرين. ومع هذا فهم محجوبون عنا وفي ذلك يقول الله تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما، إنه يراكم هو وقبيلة من حيث لا ترونهم، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون). وإذا كان الخلق لا يدركون كل موجود، فإنه لا يجوز أن ينكروا ما ثبت من أمور الغيب، ولم يدركوه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
m_h200223
عضو جد فعال
عضو جد فعال
avatar

عدد الرسائل : 372
تاريخ التسجيل : 30/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: أصول الإيمان محمد بن صالح العثيمين   15th يونيو 2008, 09:03

السلام عليكم
بارك الله فيك
جعلها الله في ميزان
صلاة على رسول الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أصول الإيمان محمد بن صالح العثيمين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتديات إسلامية :: منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة-
انتقل الى: